عبد الوهاب الشعراني

336

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

إنه كان بين أبي عمر وبين أبيك إخاء وود أحببت أن أصل ذاك ، واللّه تعالى أعلم . [ الترغيب في صلة الرحم من نسب أو رضاع : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نصل رحمنا من نسب أو رضاع وإن قطعت كأبي الأم وأولاد البنات وبنات الإخوة للأم وبنات الأعمام والعمات والخالات والأخوال ، وتحصل الصلة بإطعام الرحم أو كسوته ، أو وزن الدين عنه وإخراجه من السجن أو إرسال هدية له إن كان بعيدا ، وذهابه له إن كان مكانه قريبا منه ، فإن لم يكن هدية فإرساله السلام له ومدار الأمر على أن يكون معتنيا برحمه وبالإحسان إليه عملا بوصية اللّه تعالى ورسوله حسب الاستطاعة ، ومن فرط في شيء مما ذكرناه مع القدرة فقد قطع رحمه وقاطع الرحم لا يصعد له عمل ولا يغفر اللّه له حين يغفر لجميع خلقه في ليلة القدر ، وفي ليلة النصف من شعبان . وهذا العهد قل من يعمل به الآن من غالب طلبة العلم والمشايخ فضلا عن غيرهم ، فبمجرد ما تتسع عليهم الدنيا ينسون قرابتهم الفقراء ويستنكفون أن يعترفوا بأنهم من قرابتهم ، مع أنهم يعطون الثياب والمال ويطبخون الأطعمة في الفرح وغيرها لمن ليس بينه وبينهم قرابة ولا نفع لا في علم يستفيده ولا يفيده ، وذلك دليل ظاهر على أن جميع إطعامهم وإحسانهم للناس إنما هو ليقال فلان وهب ، وذلك أن الأجنبي يشكر أحدهم في المجالس والقريب يأكل وينكر أو يسكت عن الشكر ، ولو أن اللّه تعالى فتح عيون قلوب هؤلاء لقدموا ما أمرهم اللّه بصلته قبل من لم يأمر اللّه بصلته ، كما أنه لو فتح عيونهم لأكثروا العطاء لمن لا يشكرهم وفرحوا به أكثر ممن يشكرهم ، لأن من شكر المعطي فقد كافأه فيذهب المعطي إلى الآخرة صفر اليدين من الأجر ومن لم يشكره يجد ثوابه كاملا في الآخرة لم ينقص منه شيء . فيحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يسلك به حضرات القرب حتى يشرف على أحوال الآخرة بعين قلبه ويخرق بصره إلى الدار الآخرة وينظر ما أعد اللّه تعالى للعاملين بما أمرهم اللّه تعالى به فإنه ما من مأمور شرعي إلا وله درجة في الجنة لا ينالها العبد إلا إن فعل ذلك المأمور ، ومن قال في الدنيا إن صلة الرحم يجوز تركها يقال له في الآخرة ، وهذه أيضا درجة يجوز منعك إياها : جَزاءً وِفاقاً ( 26 ) [ النبأ : 26 ] وفي الحديث : « ولا يشبع مؤمن من خير » . وتأمل إذا كنت محبا للدنيا كل المحبة وتسافر إلى البلاد البعيدة في طلبها ، إذا جلست في مجلس ذكر أو قرآن تنعس ويجيئك النوم من كل مكان ، وتحجب عن شهود ما أعد اللّه تعالى لك في ذلك الذكر من الثواب ، كل ذلك لضعف داعيتك إلى طلب الجنة . وتأمل نفسك إذا جلس بجنبك إنسان ببدرة من ذهب وقال خذ لك على كل كلمة تقولها دينارا كيف يذهب عنك النوم وتمكث سهران إلى الصباح ، ولو قال لك إنسان يكفيك هذا الذهب الذي أخذته وقم نم لك درجتين أو ثلاثا لا تسمع له لقوة داعيتك إلى